الجاحظ

46

البخلاء

المسألة على من أكل مع الجماعة ، لأن ذلك هو التكلَّف . وأكلي وحدي هو الأصل ، وأكلي مع غيري زيادة في الأصل » . السلام والطعام : وحدّثني إبراهيم بن السندي « 1 » قال : كان على ربض الشاذروان « 2 » شيخ لنا ، من أهل خراسان . وكان مصححا بعيدا من الفساد ، ومن الرشا « 3 » ، ومن الحكم بالهوى ، وكان حفيا « 4 » جدا ، وكذلك كان في إمساكه ، وفي بخله ، وتدنيقه « 5 » في نفقاته ؛ وكان لا يأكل إلا ما لا بد منه ، ولا يشرب إلا ما بدا منه . غير أنه إذا كان في غداة كل جمعة حمل معه منديلا فيه جردقتان « 6 » ، وقطع لحم سكباج « 7 » مبرّد ، وقطع جبن ، وزيتونات ، وصرة فيها ملح ، وأخرى فيها أشنان « 8 » وأربع بيضات ليس منها بدّ ، ومعه خلال . ومضى وحده ، حتى يدخل بعض بساتين الكرخ « 9 » ، وينظر موضعا تحت شجرة ، وسط خضرة ، وعلى ماء جار . فإذا وجد ذلك جلس ، وبسط بين يديه المنديل ، وأكل من هذا مرة ، ومن

--> « 1 » إبراهيم بن السندي : أحد أصحاب الجاحظ . « 2 » ربض الشاذروان : اسم مكان في بغداد . « 3 » الرشا : أعطاه رشوة . « 4 » الحفي : احتفى به ؛ أي بالغ في اكرامه . « 5 » تدنيق : إمساك وبخل . « 6 » جردقتان : مفردها جردقة . الرغيف ، وهي لفظة فارسية معربة . « 7 » سكباج : لحم يطبخ بالخل . « 8 » اشنان : حمض تغسل به الأيدي والثياب . « 9 » بساتين الكرخ : التي كثر فيها الماء .